صديق الحسيني القنوجي البخاري
377
فتح البيان في مقاصد القرآن
جعلهم من أمته ، وقال غيره : المراد بها أهل البدع والأهواء الذين تفرقوا واختلفوا وظهروا بعده كالخوارج والقدرية والمعتزلة والرافضة وغيرهم والمراد بالواحدة هي فرقة السنة والجماعة الذين اتبعوا الرسول في قوله وفعله ولم يقلدوا أحدا في خلافه . [ سورة هود ( 11 ) : آية 119 ] إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 119 ) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ أي إلا أهل رحمته فإنهم لا يختلفون وعن عطاء بن أبي رباح قال : لا يزالون مختلفين أي اليهود والنصارى والمجوس والحنيفية وهم الذين رحم ربك . وقال الحسن : الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك فمن رحم ربك غير مختلف . وعن مجاهد قال : من اختلف أهل الباطل ومن رحم أهل الحق فمن اللّه عليهم بالتوفيق والهداية إلى الدين الحق ، فإنهم لم يختلفوا أو إلا من رحم ربك من المختلفين في الحق أو دين الإسلام بهدايته إلى الصواب الذي هو حكم اللّه وهو الحق الذي لا حق غيره أو إلا من رحم ربك بالقناعة والأولى تفسير لجعل الناس أمة واحدة بالمجتمعة على الحق حتى يكون معنى الاستثناء في إلا من رحم واضحا غير محتاج إلى تكلف . وَلِذلِكَ أي ولما ذكر من الاختلاف أو ولرحمته وصح تذكير الإشارة إلى الرحمة لكون تأنيثها غير حقيقي ، والضمير في خَلَقَهُمْ إن كان راجعا إلى الناس فالإشارة إلى الاختلاف واللام للعاقبة أو إليه وإلى الرحمة ، وإن كان إلى من فإلى الرحمة ، وقيل الإشارة بذلك إلى مجموع الاختلاف والرحمة ولا مانع من الإشارة بها إلى شيئين كما في قوله عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ [ البقرة : 68 ] وقوله وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا [ الإسراء : 110 ] وقوله فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [ يونس : 58 ] قال مجاهد : خلقهم للرحمة وعن عكرمة نحوه وقال ابن عباس : خلقهم فريقين ، فريقا يرحم فلا يختلف ، وفريقا لا يرحم فيختلف فذلك قوله فمنهم شقي وسعيد . وقال الحسن وعطاء : خلقهم للاختلاف ، وقال أشهب : سألت مالك بن أنس عن هذه الآية فقال : خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير . وقال الفراء : خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الردّ على المنطقيين : إن القوم كلما بعدوا عن اتباع الرسل والكتب المنزلة كان أعظم في تفرقهم واختلافهم فإنهم يكونوا أضل ، وقد أمر اللّه بالجماعة والائتلاف ، ونهى عن الفرقة والاختلاف فقال تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [ آل عمران : 103 ] وقال تعالى إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ